مستقبل عملية السلام بين إثيوبيا
وإريتريا
لا تزال عملية السلام بين إثيوبيا وإرتريا تتعثر مع مرور
ما يقارب العام على اتفاق الجزائر الذي انهي حربهما الحدودية و التي استمرت
لعامين . فحتى الآن لم تكتمل عملية تبادل
الأسرى بسبب إصرار إثيوبيا على معرفة مصير احد طياريها الحربيين الذي أسقطت طيارته
في بداية الحرب وهي تقصف العاصمة الإريترية اسمرا. ولم تنزع الألغام لأن الأخيرة
أيضاً لم تعط بعثة حفظ السلام الدولية المعلومات الضرورية عنها إلا في منتصف الشهر
الماضي . كما لم يعد كل النازحين إلى ديارهم بسبب عدم إكمال الترتيبات الضرورية
لعودتهم . وكثيرا ما يواجه مسار العملية السلمية عراقيل بسبب تعنت هذا الطرف أو ذاك
مثلما حدث للاجتماع التاسع للجنة التنسيق العسكرية الذي تأخر عقده بسبب اعتراض
الجانب الإريتري على مكان انعقاده .
بدأت الحرب بين البلدين في مايو 1998 عندما شنت قوات إريترية
هجوما مفاجئاً على منطقة بادمي المتنازع عليها وطردت منها الإثيوبيين وردت إثيوبيا
بإعلان الحرب على إريتريا بعد أن أمهلتها أسبوعاً لسحب قواتها من المنطقة . بذلت محاولات عديدة من قبل المجتمع الدولي
لتجنب اندلاع الحرب بين البلدين الفقيرين . فتقدمت الولايات المتحدة الأمريكية
التي تربطها علاقات وثيقة معهما بوساطة بالاشتراك مع رواندا . وتبنت منظمة الوحدة
الأفريقية وساطة أخرى حظيت بدعم دولي كما دخلت على خط الوساطات جهات أخرى مثل
الاتحاد الأوربي لكن كل هذه الجهود لم تنجح في منع اندلاع الحرب بينهما . فتفجرت
الجولة الأولى من القتال في يونيو عام 1998 وانتهت دون أن يتمكن أي طرف من حسمها
لصالحها . وخاض الطرفان جولة ثانية في فبراير 1999 وهي التي تمكنت فيها إثيوبيا من
استرداد منطقة بادمي التي انتزعتها منها إريتريا في مايو عام 1998 . واندلعت الجولة
الثالثة والأخيرة من المعارك في مايو 2000 وفيها تمكن الجيش الإثيوبي من احتلال
بعض المدن الإريترية وبقى فيها حتى توصل
البلدان إلى اتفاق سلام نهائي في ديسمبر الماضي .
توصل البلدان من خلال وساطة منظمة الوحدة الأفريقية
المدعومة دوليا أولاً إلى اتفاق بوقف الأعمال العدائية في الثامن عشر من يونيو عام
2000 . نص الاتفاق، بجانب إيقاف الأعمال
العدائية، على انسحاب إثيوبيا من المناطق الإريترية التي لم تكن تحت إدارتها قبل
السادس من مايو 1998 وانسحاب الجيش الإريتري إلى عمق 25 كيلومتر داخل أراضيه على
طول الحدود بين البلدين وهي المنطقة التي اصطلح على تسميتها بالمنطقة الأمنية
المؤقتة .
وتوصل البلدان ثانياً إلى اتفاق سلام نهائي بتاريخ
12/12/2000 وقع عليه وزيرا خارجيتيهما وحضر حفل التوقيع ملس زيناوي رئيس الوزراء
الإثيوبي و أسياس أفورقي رئيس دولة إريتريا إضافة لراعي العملية ومضيف محادثاتها
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيس الدورة السابقة لمنظم الوحدة الأفريقية
وممثلون عن المجتمع الدولي بينهم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ووزيرة
الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت مادلين أولبرايت . ألزم اتفاق السلام البلدين بحل مشكلاتهما من خلال الوسائل السلمية
و عدم استخدام القوة لحل مشاكلهما وعلى احترام كل منهما لحدود الآخر عند الاستقلال
كما هو متفق عليه في مؤتمر القمة الأفريقية الذي عقد في القاهرة عام 1964 على أن
يتم ترسيم الحدود بينهما من خلال لجنة فنية على أساس الاتفاقيات الاستعمارية
والقانون الدولي متى ما كان ذلك مناسباً لحالتهما وفي حال الاختلاف عليهما أن يلجأ
إلى التحكيم .
أرسلت الأمم المتحد قوات لحفظ السلام بين البلدين تتكون
من 4200 جندياً شاركت فيها 19 دولة . وتشكلت بموجب الاتفاق لجنة تنسيق عسكرية لتنفيذ
الترتيبات الضرورية لعملية السلام أوكلت مهمة رئاستها إلى القائد العسكري لقوات
حفظ السلام وقد عقدت اللجنة حتى الآن تسعة اجتماعات عقد آخرها في جيبوتي في نهاية
أكتوبر الماضي . ومن المقرر أن يعقد الاجتماع العاشر للجنة التنسيق العسكرية على
جسر نهر مآرب الذي يفصل بين البلدين في 29/11 وهو أول اجتماع يعقد داخل حدودهما
حيث عقدت الاجتماعات السابقة أما في نيروبي أو في جيبوتي .
يواجه عمل بعثة السلام الدولية الكثير من المصاعب
والعراقيل التي يتسبب فيها هذه الطرف أو ذاك أو كلاهما معا . وقد وجهت البعثة في
أكتوبر الماضي نداءاً إلى البلدين من أجل دفن جثث حوالي ثلاثمائة جندي متناثرة في
العراء في المنطقة الأمنية تهدد بتفشي الأمراض وتعيق أداء قوات السلام لعملها .
وكان كل بلد قد أصر على أن الجثث ليست لجنوده . ولم تتمكن البعثة حتى الآن من
الحصول على إذن للطيران المباشر بين عاصمتي البلدين ولا بحرية الحركة . وقد أوقفت إريتريا مؤخراً بث راديو الأمم المتحدة
من أثيرها بعد أن كانت تبث منه برامج خاصة عن عمل بعثة الأمم المتحدة بالإنجليزية
والعربية والتقرينية والتقري منذ يناير الماضي . بينما لم توافق إثيوبيا أصلاً على
بث برامج مماثلة حتى الآن .
يعتبر انعدام الثقة بين البلدين أهم عائق أمام عملية
السلام وهو ليس وليد الأعمال الحربية وفقط بل أيضاً تسببت فيه الإجراءات القاسية
التي اتخذها كل منهما بحق مواطني البلد الآخر؛ حيث تبادلا طرد ومصادرة ممتلكات
عشرات الآف الأشخاص . ومع أن بعثة حفظ السلام بذلت جهوداً حثيثة من أجل بناء جسور
الثقة بين البلدين إلا أن جهودها لم تثمر شيئاً كما يدلل الاجتماع الذي عقده سيوم
مسفن وزير الخارجية الإثيوبي مع سفراء الدول الخمسة الكبرى في أديس أببا في الشهر
الماضي واتهم فيه ارتريا بالاستعداد من أجل جولة جديدة من الحرب . ومن جانبها بذلت
الولايات المتحدة جهوداً مماثلة مع حليفيها الوثيقين لأهمية التطبيع بينهما
لاستراتيجيتها في الإقليم التي تأثرت بنزاعهما خصوصاً تلك المتعلقة بالسودان . وقد
اقترحت على البلدين أن تستأجر إثيوبيا ميناء عصب الإريتري على أن تتكفل هي بدفع
أجرة استخدامه لثلاثين عاماً كقرض تسدده إثيوبيا على مدى طويل . لكن الأخيرة رفضت
الاقتراح الأمريكي واستمرت في تنفيذ اتفاقها مع السودان من أجل استخدام ميناء
بورتسودان مع الكلفة الاقتصادية الكبيرة له قياساً بمينائي إريتريا، عصب ومصوع .
إثيوبيا التي
تعتقد باستحالة التعايش مع نظام الرئيس افورقي و تراهن على سقوطه لا تبدو مستعجلة
في تنفيذ اتفاق سلام تشوبه عيوب جوهرية . فالمرجعية التي ستستند إليها اللجنة
الفنية لترسيم الحدود حسب اتفاقية السلام بين البلدين تقوم على احترام حدود أية
دولة عند استقلالها وفي نفس الوقت تعتبر اتفاقية السلام الاتفاقيات الاستعمارية
الخاصة بالحدود ملزمة للطرفين . احترام الحدود عند الاستقلال سيكون في صالح
إثيوبيا لأن المنطقة المتنازع عليها ( بادمي ) كانت تحت سيادتها عند استقلال
إريتريا في عام 1993 وظلت كذلك ماعدا الفترة التي سيطر فيها عليها الجيش الإريتري
والممتدة من مايو 1998 وإلى فبراير 1999 . بينما النص على رسم الحدود بالاستناد إلى
الاتفاقيات الاستعمارية سيكون في صالح إريتريا لأنه حسب هذه الاتفاقيات تعتبر منطقة
النزاع داخل الحدود الارترية .
الوضع الاقتصادي والسياسي المتردي في إريتريا يشجع
إثيوبيا على المضي قدماً في رهانها . فالاقتصاد
الإريتري يعاني من مصاعب خطيرة بسبب الصرف على الحرب وحرمانه من الدخل الذي كانت
توفره التجارة البينية مع إثيوبيا ورسوم استخدام الأخيرة للموانئ الإريترية والآن
أضيف عامل جديد قد يفاقم من تلك المصاعب وهو الأزمة مع الاتحاد الأوربي الذي يعد
أكبر مانح لها . وينذر الوضع السياسي في إريتريا، الذي تدهور كثيراً بعد اعتقال
مجموعة القادة الإصلاحيين، بحدوث تطورات خطيرة قد تجعل من الرهان الإثيوبي حقيقة
واقعة في وقت قريب فيما إذا ما استمر نظام الرئيس أسياس أفورقي في رفض الاعتراف
بحق المعارضة في المشاركة السياسية .
ياسين
محمد عبدالله
نشر هذا المقال في صحيفة الزمان
اللندنية بتاريخ 13/11/2001