Tuesday, July 26, 2016

أهداف ومآلات الغزو الكيني للصومال ( 1-2)
ياسين محمد عبد الله
https://www.sudaress.com/alsahafa/41849

Sunday, July 17, 2016


شمال يوغندا: خلفية النزاع وفرص نجاح عملية السلام (2-2)
 
ياسين محمد عبد الله
عملية التفاوض:

في سبتمبر 2005 وضع سلفا كير النائب الأول ورئيس حكومة الجنوب ثلاثة خيارات أمام جيش الرب :

1/ الدخول في محادثات سلام مع الحكومة اليوغندية.2/ مغادرة جنوب السودان.3/ المواجهة العسكرية مع الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان.

رد جوزيف كوني على رسالة كير بعد ثلاثة أشهر مبدياً استعداد حركته للدخول في مفاوضات مع الحكومة اليوغندية. والتقى نائب رئيس حكومة الجنوب رياك مشار بالقرب من حدود الكنغو الديمقراطية بجوزيف كوني وقدم له مساعدات غذائية ومبلغ 20000 دولار أمريكي مما أثار غضب بعض منظمات حقوق الإنسان مثل هيومان رايتس ووتش التي قالت إنه كان يتوجب على مشار اعتقال كوني لا تقديم المساعدات له.

وفي مارس 2006 توصلت حكومة الجنوب وجيش الرب إلى اتفاق تضمن النقاط التالية:

1/  أن تقوم حكومة الجنوب بوساطة نزيهة.

2/ أن يوقف جيش الرب أعماله القتالية.

3/ أن يغادر مقاتلو جيش الرب السودان في حال فشل مفاوضات السلام.

وباقتراح من سلفا كير بعث جوزيف كوني رسالة إلى يوري موسفيني في مايو الماضي طلب فيها الدخول في مفاوضات سلام. ورد الأخير في اليوم التالي بالموافقة مشترطا إيقاف جيش الرب أعماله القتالية في فترة أقصاها يوليو 2006 . وقال موسفيني إنه سيتجاهل اتهامات المحكمة الجنائية ويمنح عفواً لمقاتلي جيش الرب فيما إذا تم التوصل لاتفاق سلام. وحددت الحكومة اليوغندية تاريخ 12/9 موعداً نهائيا لإكمال مفاوضات السلام ويبدو إنها تريد إيجاد حل للمشكلة قبل اجتماع الكومنولث الذي سيعقد في كمبالا العام القادم. وقد أيدت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مساعدة وزيرة الخارجية فريزر إجراء المفاوضات بين الطرفين.

بدأت المفاوضات في الرابع عشر من يوليو الماضي بمدينة جنوبا بإشراف مباشر من الدكتور رياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب.

 وكان جيش الرب قد تقدم قبل بدء المفاوضات بالمطالب التالية:

1/ وقف العدائيات بين الطرفين.

2/ أن لا يعتقل أي شخص أو يضطهد بتهمة انتمائه أو تعاونه مع جيش الرب.

3/ أن لا ينخرط أي طرف في دعاية عدائية تجاه الآخر.

وتقدمت الحكومة اليوغندية ببعض المطالب والتعهدات منها:

1/ أن يتخلى جيش الرب عن كل أشكال الإرهاب.

2/ أن يوقف الأعمال العدائية كافة.

3/ أن يتخلى عن سلاحه وذخيرته وأن يقدم قائمة بهما.

4/ أن تتجمع قوات جيش الرب في أماكن معينة من أجل تجريدها من السلاح وتسريحها.

5/ تعهدت بالعفو عن كل المقاتلين بعد التوصل إلى اتفاق سلام.

6/ تعهدت بدمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية ودمج المؤهلين والراغبين في الجيش الحكومي.

وتقدم جيش الرب خلال المفاوضات بورقة أكثر طموحا تضمنت المطالب التالية:

1/ وقف شامل لإطلاق النار.

2/ إعادة الذين يعيشون في القرى المحمية إلى قراهم وإنشاء مفوضية خاصة من الراعين للمفاوضات لتنفيذ ذلك.

3/ عدم التصرف في أراضي سكان الإقليم الذين سبق وسرقت مواشيهم حتى يتم حسم موضوع التعويضات.

4/ تعويض شامل لسكان الإقليم الذين تضرروا نتيجة للحرب الأهلية أو بسبب تحريض الحكومة ضدهم وأن تقبل الحكومة المسئولية عن خسارة السكان لمواشيهم وتدمير منازلهم وممتلكاتهم الأخرى في شمال وشرق يوغندا.

5/ المطالبة بحل الجيش الحالي والذي لا يمثل الأمة ويدين بالولاء لموسفيني وحده على أن يتم التجنيد للجيش تحت إشراف دولي مع الأخذ في الاعتبار التوازن القبلي ودمج جيش الرب والمعارضة المسلحة الأخرى في الجيش الجديد.

6/ اقتسام السلطة والثروة؛ حيث يعاني شمال وشرق يوغندا من الاضطهاد والتهميش السياسي مع الأخذ في الاعتبار التوازن الإقليمي والسكاني في البلاد.

7/ حيث أن الشمال والشرق أقصيا من التنمية في العشرين عاما السابقة المطلوب تكوين إطار خاص للتنمية لمعالجة عدم التوازن.

8/ تحقيق تكافؤ الفرص في التوظيف لكل الأقاليم والمجموعات العرقية.

9/ الكف عن استخدام لغة الاحتقار المستخدمة تجاه بعض المجموعات العرقية.

يتضح من المطالب المذكورة أن جيش الرب طور من سقف مطالبه ومن الإطار الجغرافي الذي يشملها فالأشولي الذين يشكلون هذا الجيش ليسوا وحدهم من يسكن شمال البلاد ناهيك عن سكان الشرق الذين تحدثت عنهم ورقة الجيش. وقد تؤسس رؤية جيش الرب الجديدة لطبيعة المشكلة في البلاد لتحالف سياسي واسع يجمعه مع معارضي موسفيني في الداخل تمهيداً لتشكيل قاعدة أوسع لخوض الانتخابات القادمة في 2011 خصوصا وأن الأغلبية العظمى من سكان الشمال والشرق صوتوا في الانتخابات الماضية لمنافس موسفيني.

ويعكس الطرح الجديد لجيش الرب مدى تأثير رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان وتكتيكاتها المجربة والتي استندت إلى تشكيل تحالف بين من يُطلق عليهم تسمية المهمشين ضد المركز، على المنطقة. ويعكس هذا الطرح، الطموح سياسياً وجغرافياً، أيضا الدور الفعال لمثقفي الأشولي في المهجر الذين يشاركون في وفد جيش الرب المفاوض في صياغة أسس الحل ونقل القضية من مجرد تمرد عنيف يستند إلى هلوسة دينية وتعصب عرقي إلى  قضية ذات طابع إنساني وسياسي عادل.

اتفق طرفا التفاوض في نهاية أغسطس على وقف إطلاق النار. ونص الاتفاق على  تجميع قوات جيش الرب في نقطتين في جنوب السودان تحت حماية الجيش الشعبي لتحرير السودان على أن يفتح الجيش اليوغندي الحكومي ممرات آمنة لوحدات جيش الرب للوصول إلى النقطتين. ونص الاتفاق إنه في حال عدم توصل الطرفين لاتفاق سلام فإن الجيش الشعبي سيسمح لقوات جيش الرب بالانسحاب من نقطتي التجمع بسلام.

مستقبل عملية السلام:

بالرغم من التفاؤل الذي أوجده اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة اليوغندية وجيش الرب إلا أنه لا تزال هناك الكثير من العقبات أمام عملية التفاوض أهمها التعارض الكبير بين طرحي الطرفين. فالحكومة اليوغندية تريد تصفية سلمية لجيش الرب مقابل العفو وبعض الوظائف. ويتطلع جيش الرب لاقتسام السلطة والثروة لصالح شمال وشرق البلاد. وتلعب مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية دوراً معوقاً أيضاً في مسار المفاوضات فبسبب الخوف من الاعتقال على أساس هذه المذكرات لم يشترك القادة الكبار لجيش الرب في المفاوضات وإذا لم يكن مهما مشاركتهم في المراحل التمهيدية فإن اشتراكهم في المراحل المتقدمة من التفاوض سيكون حاسماً لشأن التوصل لاتفاق نهائي. ويمكن للطرف الحكومي أيضا أن يبتز قادة جيش الرب من خلال التلويح بتلك المذكرات.لذا قد يكون مهما أن تتخذ المحكمة الجنائية الدولية، التي تصر حتى الآن على مساعيها لاعتقال القادة الخمسة الذين أصدرت مذكرات توقيف بحقهم، قراراً بسحب تلك المذكرات أو تجميدها وهو ما يسمح به نظامها في ظروف معينة وإلا فإن مذكراتها هذه يمكن أن تعطل سير المفاوضات أو حتى تفشلها. وبدلاً عن اللجوء للمحكمة يمكن للطرفين الاتفاق على نظام للتقاضي الوطني أو التصالح في إطار عملية سلام شامل وراسخ.

ويحتاج نجاح عملية التفاوض دوراً أكبر للمجتمع الدولي الذي لا يزال يقف موقف المتفرج من سيرها ما عدا قرار الأمين العام بتعيين مبعوث خاص له للسلام في شمال يوغندا والذي لم ترحب به الحكومة اليوغندية حتى الآن. ومع أن الولايات المتحدة أيدت المفاوضات إلا أنها لم تبادر بلعب أي دور تشجيعي ملموس فيها وإذا كان قرار المحكمة الجنائية الدولية يمنع الدول الأوربية من لعب مثل هذا الدور فبإمكان الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم توقع على نظام المحكمة، أن تضطلع بدور إيجابي في عملية التفاوض كأن تتعهد بضمان تنفيذ بنود أي اتفاق سلام أو بتوفير التمويل المطلوب لتنفيذه ومن خلال ممارسة الضغوط على طرفي التفاوض لضمان نجاح العملية.

سيكون لتحقيق السلام في شمال يوغندا مردود إيجابي كبير على الإقليم وعلى يوغندا وجنوب السودان. فبالنسبة للإقليم سينهي اتفاق السلام سنوات المعاناة الطويلة لحوالي مليوني شخص يعيشون منذ عشرة أعوام في قرى محمية وفي ظروف أمنية ومعيشية وصحية غاية في السوء. وسيكون السلام في صالح تطوير التجارة الحدودية بين شمال يوغندا وجنوب السودان كما سيسهل تنقل اليوغنديين الذين سيجدون فرصا مهمة للعمل في الجنوب. وسيشجع السلام جنوب السودان للاستثمار في يوغندا وسيوفر له ظروفا أمنية أفضل لتطبيق اتفاقية السلام في جنوب السودان.وستستفيد أعمال التنقيب عن النفط في يوغندا ، التي أكدت على وجوده بكميات تجارية، من أجواء السلام في البلاد.

 ويمكن أن يوسع فشل مفاوضات السلام من إطار الحرب الأهلية جغرافيا سياسيا ويدفع بقوى جديدة للمشاركة فيها. وقد يصل سقف مطالب المتمردين إلى حد المطالبة بدولة منفصلة في الشمال والشرق. وسيؤدي استمرار الحرب الأهلية إلى توتر علاقة جنوب السودان بيوغندا وسينعكس سلبا على أوضاع الجنوب الأمنية ويضيع عليه فرصا واعدة لعملية التنمية.

 

 

 

نشر المقال في صحيفة( الصحافة) السودانية بتاريخ 13/9/2006

 

شمال يوغندا : خلفية النزاع وفرص نجاع عملية السلام (1-2)
ياسين محمد عبد الله

تجري هذه الأيام في مدينة جوبا مفاوضات بين الحكومة اليوغندية وجيش الرب للمقاومة برعاية حكومة جنوب السودان. نجاح هذه المفاوضات وتوصل الطرفين إلى اتفاق سلام سيؤدي إلى إنهاء واحدة من أكبر المآسي الإنسانية التي لم يولها المجتمع الدولي ما تستحق من اهتمام وسيعد هذا إنجازا كبيراً لحكومة جنوب السودان ليس فقط بسبب ما سيوفره حل هذه المشكلة من أجواء أفضل لانطلاق عملية التنمية في الجنوب بل أيضا لأن هذا الدور سيؤكد للمجتمع الدولي على جدارة هذه الحكومة وتحليها بالمسئولية والشجاعة الكافيين لتدير على نحو خلاق شئون إقليمها. هذه قراءة لخلفية النزاع في شمال يوغندا وفرص عملية السلام التي ترعاها حكومة الجنوب.

خلفية النزاع:

يعاني شمال يوغندا منذ أكثر من عشرين عاما من حرب أهلية خاضتها ضد الحكومة المركزية مجموعات مختلفة من الحركات المتمردة بقي منها الآن فصيل واحد هو جيش الرب للمقاومة. وقد اتخذت الحرب الأهلية من أراضي الأشولي، الذين ينتمون لمجموعة القبائل النيلية ويعيش بعضهم في جنوب السودان ويشكلون أكثر من 4% من سكان يوغندا البالغ عددهم ثمانية وعشرون مليون تقريبا، مسرحا لها.

بدأت معاناة الأشولي من الحرب الأهلية بعد انتصار موسفيني على الجنرال المنتمي إليهم تيتو أوكيلو(1996-1914) الذي كان بدوره قد قاد انقلابا على ملتون أبوتي في التاسع والعشرين من يوليو 1985. فبعد دخول قوات موسفيني إلى كمبالا في الخامس والعشرين من يناير 1986 انسحب مقاتلو أوكيلو شمالا وأسسوا في أغسطس من نفس العام الجيش الشعبي الديمقراطي اليوغندي الذي شن من هناك حربا ضد الحكومة. وارتكب الجيشان الحكومي والمتمرد انتهاكات خطيرة بحق السكان المحليين. انتهت هذه الحرب بموافقة بعض أعضاء الجيش الشعبي الديمقراطي على العفو الذي أصدرته الحكومة في عام 1988 لكن الأشولي خسروا نتيجة للمواجهات التي جرت في مناطقهم، بجانب خسائرهم البشرية، 98% من قطعانهم. وهمشوا منذ ذلك الوقت في الحياة السياسية والاقتصادية اليوغندية.

 وفي عام 1987 تأسس جيش آخر في شمال يوغندا هو قوات الروح المقدسة المتحركة بقيادة الوسيطة الروحية أليس أوما المعروفة بلاكوينا وهي تنتمي أيضا للأشولي. وبجانب سعيها لإسقاط نظام موسفيني، اعتبرت الحركة إن من مهامها تخليص الأشولي من ذنوبهم. وفي أكتوبر 1987 تمكن الجيش الحكومي من هزيمة قوات الحركة مما أدى إلى هروب مؤسستها إلى كينيا حيث لا تزال تعيش هناك. وواصل والد لاكوينا القتال بعد فرارها حتى قبض عليه في 1989.وفي هذا الوقت برز الوسيط الروحي جوزيف كوني كقائد للقوى الرئيسة من الأشولي التي تقاتل ضد الحكومة وهو مولود في مقاطعة قولو في مطلع ستينيات القرن الماضي ويمت بصلة قرابة للاكوينا. وبينما جندت لاكوينا لجيشها من مقاطعة كتقوم جند كوني قواته من مقاطعة قولو التي ينتمي إليها. ومنذ عام 1992 صارت قوات كوني تعرف باسم جيش الرب للمقاومة. ولا يعرف عن أهداف هذا الجيش سوى سعيه لإسقاط حكومة موسفيني وإقامة نظام يطبق الوصايا العشر الواردة في الإنجيل.

في بداية انطلاقة جيش الرب قام الجيش الحكومي بعملية كبرى ضده عرفت باسم (عملية الشمال) تم خلالها تأسيس قوات محلية للدفاع عن النفس زادت من شراسة الحرب ومن معاناة السكان المحليين. وأدى رد الفعل القاسي على العملية من قبل قوات كوني إلى فقدان جيش الرب أغلب الدعم المحلي فتراجعت قدراته خلال عامي 1992 و1993.

تصاعدت عمليات جيش الرب خلال عامي 1994 و1995. وارتكب الجيش، الذي يتكون من الأشولي ويفترض أنه يدافع عنهم، انتهاكات فظيعة ضدهم، بالاستناد إلى شعوذة دينية تخلط بين مفاهيم الدين المسيحي والموروثات القبلية الغيبية.ويعتبر عام 1996 الأكثر عنفا في هذه الحرب وقد سيطر جيش الرب على الريف نتيجة للمعارك التي جرت فيه . بدأ جيش الرب في هذا العام باختطاف الأطفال وصار يجند الذكور منهم ويزوج الإناث من قياداته. وقد قدرت بعض المنظمات الدولية عدد الأطفال المختطفين في الأعوام العشرة الماضية بـ 25000 طفلاً. وقررت الحكومة في أكتوبر من نفس العام نقل سكان إقليمي قولو وبادر إلى قرى محمية لتحرم جيش الرب من فرص الحصول على الغذاء والمجندين من بين هؤلاء السكان. وفي فبراير 1997 كان 80% من سكان مقاطعة قولو يعيشون في هذه القرى.

 وجاء في مذكرة بعث بها إلى الرئيس اليوغندي مجموعة من اليوغنديين وأصدقاء ليوغندا في التاسع من سبتمبر 2003 أن إقليم الأشولي تعرض لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وأن الجيش اليوغندي الحكومي وجيش الرب للمقاومة مسئولان سوية عن الانتهاكات التي ارتكبت في الإقليم وفي مناطق أخرى من البلاد فقد قتلا وعذبا واغتصابا واختطفا وهجرا آلاف المدنيين الأبرياء. وقالت المذكرة إنه منذ 1986 قتل خمسمائة ألف شخص في شمال يوغندا أغلبهم من الأطفال. وانتقدت المذكرة رفض الحكومة اليوغندية تقديم الغذاء للمواطنين الذين هجرتهم بنفسها إلى تلك القرى.

وبينما قامت فكرة ترحيل القرويين على أساس حمايتهم من جيش الرب إلا أن القوات الحكومية تختار دائما وسط هذه القرى كأماكن لتمركزها وتضع المواطنين على الأطراف مستخدمة إياهم دروعا بشرية في مواجهة هجمات جيش الرب. وتُقدر عدد الوفيات في هذه القرى بمعدل الألف في الأسبوع تتسبب فيها بجانب هجمات جيش الرب وردود أفعال الجيش الحكومي، الأمراض مثل الملاريا وسوء التغذية والإيدز والذي استثنت الحكومة فيه الشمال من حملتها الوطنية الناجحة لمحاربته. وقد صرح جان إغيلاند مساعد الأمين العام للشئون الإنسانية في نهاية 2003 لإذاعة البي بي سي بأنه لم يشاهد مكانا في العالم في وضع طوارىء دون أن يجد اهتماما دولي مثل ذلك الموجود في يوغندا.

لقد اعتقد موسفيني دائما أن بإمكانه إنهاء جيش الرب من خلال القتال ومع أنه فشل في كل مرة حاول فيها ذلك، حتى عندما سمحت له الحكومة السودانية بمطاردته داخل الأراضي السودانية، إلا أن ظل حتى مطلع هذا العام مصراً على حسم جيش الرب عسكريا. ويقال أن أسباب فشل الجيش اليوغندي في القضاء على جيش الرب تعود إلى تفشي الفساد بين ضباطه وعدم كفاءة هذا الجيش وافتقاره للمعدات المناسبة. وتعد محاولات الوساطة التي قامت بها الوزيرة اليوغندية السابقة التي تنتمي لقبيلة الأشولي بيتي بقمبي أثناء تقلدها كرسي الوزارة ( 1996-1986) أهم المحاولات التي جرت لحل المشكلة من خلال التفاوض. التقت يقمبي لأول مرة بقائد جيش الرب جوزيف كوني في يونيو 1993 ورتبت لمفاوضات بين الجانبين توقفت في فبراير 1994 بعد أن شارفت على النجاح بسبب إمهال الحكومة جيش الرب سبعة أيام للاستسلام. وقامت مجموعة من كبار السن من الأشولي بمحاولة أخرى للتوسط بين الحكومة وجيش الرب في عام 1996 لكن المحاولة انتهت بمأساة عندما قتل جيش الرب اثنين من الوسطاء. وبذلت جهات أخرى محاولات عديد لإنهاء هذه المأساة لكن كل هذه المحاولات اصطدمت بعدم رغبة موسفيني بالتفاوض مع جيش الرب.

وبعد هجمات سبتمبر 2001 اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية جيش الرب منظمة إرهابية. وكانت في مطلع التسعينات اعتبرت موسفيني أحد قادة أفريقيا الجدد بجانب رؤساء أفارقة آخرين وهو التصنيف الذي لم يعد يستخدم  منذ اندلاع الحرب الإثيوبية الإريترية في عام 1998.

وقام موسفيني في ديسمبر 2003 بتحويل قضية جيش الرب للمحكمة الجنائية الدولية والتقى في يناير 2004 في لندن بالمدعى العام للمحكمة لمناقشة الموضوع. رأت المحكمة أن هناك أسسا موضوعية للبدء في التحقيق حول ممارسة هذا الجيش. وفي يوليو 2005 أصدرت الغرفة الثانية في المحكمة مذكرات توقيف بحق خمسة من قيادات جيش الرب بينهم جوزيف كوني قائد الجيش. أعلنت المحكمة عن المذكرات بتاريخ 13/10/2005 وأشارت في المذكرات إلى إنها تود محاكمة هذه المجموعة للجرائم التي ارتكبتها منذ يوليو 2002 وعددت في كل مذكرة التهم الموجهة ضد الشخص الصادرة بحقه. بلغت التهم الموجهة إلى جوزيف كوني اثنان وثلاثون تهمة بينها تهم تندرج تحت تعريف الجرائم الموجهة ضد الإنسانية مثل القتل والاغتصاب والمعاملة غير الإنسانية وأخرى تندرج تحت تعريف جرائم الحرب مثل الهجوم على المدنيين ومعاملتهم بقسوة والتجنيد القسري للأطفال والاختطاف ووجهت تهم مماثلة لزملائه الآخرين. وتعتبر مذكرات التوقيف بحق قادة جيش الرب أول مذكرات توقيف تصدر عن المحكمة منذ الإعلان عن بدء عملها في يوليو 2002. وقد طلبت المحكمة إلى الجهات المعنية المساعدة في اعتقال مجموعة الخمسة. وفي يناير 2006 قامت قوة تابعة لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكنغو الديمقراطية تتكون من ثمانية جنود غواتماليين بمحاولة في شرق الكنغو لاعتقال أو قتل فنست أوتي نائب قائد جيش الرب وأحد الذين صدرت بحقهم مذكرة توقيف إلا أن جيش الرب تمكن بعد معركة استمرت أربع ساعات من قتل كل أفراد المجموعة. وفي 12/8/2006 تمكن الجيش الحكومي اليوغندي من قتل أحد أفراد المجموعة ليتبقى أربعة منهم. وقد تسبب مقتل هذا القائد في توقف المحادثات الجارية بين جيش الرب والحكومة اليوغندية في مدينة جوبا لمدة ثلاثة أيام لأن فريق جيش الرب المفاوض قال إنه في حال حداد على قائده القتيل.

 

 

 

نشر في صحيفة (الصحافة) السودانية بتاريخ 3/9/2006

 

 

Thursday, July 14, 2016


أمريكا وإريتريا .... من الشراكة إلى المواجهة ..

 ياسين محمد عبدالله

ارتبطت إريتريا وأمريكا في الأعوام الخمسة الأولى من استقلال الأولى (1998-1993) بما يشبه التحالف وتبنى البلدان في وقت ما رؤية مشتركة لأوضاع الإقليم خصوصا الوضع في السودان. وقد صنفت إدارة كلينتون الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ضمن قادة أفريقيا الجدد الذين يُعول عليهم لقيادة بلدانهم في اتجاه الديمقراطية والحكم الراشد. فكيف ساءت العلاقة بين البلدين ووصلت حد التصادم مثلما يحدث في الصومال الآن؟  يعد الهجوم الذي شنه الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، في خطابة بمناسبة احتفال إريتريا بذكرى استقلالها في مايو الماضي، على الولايات المتحدة واتهامه لها بلعب دور سلبي في المنطقة وبالانحياز لإثيوبيا في صراعها مع بلاده، والذي تسبب في انسحاب السفير الأمريكي في أسمرا سكوت ديلسي والملحق العسكري في السفارة من الحفل، يعد مؤشراً على دخول الخلافات بين البلدين إلى مرحلة جديدة. وبسبب الاتهام المشار إليه طلبت الحكومة الأمريكية من الدبلوماسيين في السفارة الإريترية في واشنطن عدم التنقل إلى أكثر من 25 كيلومتر خارج العاصمة الأمريكية ورفضت إعطاء تأشيرات دخول لرجال الأعمال الإرتريين الذين يترددون عليها من وقت إلى آخر بسبب طبيعة أعمالهم. وردت الحكومة الإريترية على الإجراء الأمريكي بمنع إصدار تأشيرات دخول للأمريكيين إلى لإريتريا وهو ما طبق أيضا على الأمريكيين من أصول إريترية. وكانت الحكومة الإريترية قد طلبت في العام الماضي من وكالة التنمية الأمريكية مغادرة أراضيها فيما يبدو رد فعل على التقارير المتواصلة التي ظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تصدرها حول انتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا. ظهر أول خلاف علني بين إريتريا وأمريكا في بداية الحرب مع إثيوبيا في عام 1998 عندما رفضت الحكومة الإريترية الانسحاب من منطقة بادمي حسب ما اقترحت المبادرة الأمريكية – الرواندية. وقد اتهمت الحكومة الإريترية السفارة الأمريكية في أديس أبابا بتشجيع إثيوبيا على إعلان الحرب على إريتريا وإدارة الرئيس كلينتون بتشجيعها على قصف مطار أسمرا. وبعد توقف الحرب اتهمت الحكومة الإريترية المخابرات الأمريكية بالتخطيط للإطاحة بالرئيس أفورقي وهو ما نفته هذه الإدارة ونفاه انتوني ليك مسئول الأمن القومي السابق ومبعوث الرئيس بيل كلينتون للتوسط بين إريتريا وإثيوبيا والذي اتهم بلعب دور المنسق بين المتآمرين المفترضين وإثيوبيا، في مقال نشرته له صحيفة (بوسطن قلوب ) بتاريخ 26/10/2002. وعند انضمام إريتريا للتحالف الدولي ضد الإرهاب الذي أسسته وتقوده الولايات المتحدة في عام 2002 بدا كأن علاقات البلدين قد تخلصت من آثار النزاع الإريتري – الإثيوبي وعادت إلى سابق عهدها. لكن الولايات المتحدة، ومع ترحيبها بانضمام إريتريا للتحالف المذكور، لم تقبل عرض الحكومة الإريترية باستخدام أراضيها كقاعدة عسكرية للعمليات التي كان التحالف المذكور يستعد لشنها، تحت ضغط منظمات حقوق الإنسان والصحافة الأمريكية التي احتجت على انتهاكات الحكومة الإريترية لحقوق الإنسان. وقد كتبت هيومان رايتس ووتش رسالة إلى وزير الدفاع رامسفيلد احتجاجا على تصريحات أدلى بها في مؤتمر صحفي عقده في أسمرا عقب زيارة لها في 10/12/2002 وقال فيه أن إريتريا دولة مستقلة ومن حقها أن تختار السياسات التي تناسبها. وقد رد رامسفيلد على رسالة المنظمة بالقول أنه أبلغ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي عند اجتماعه به في إريتريا أن تطور التعاون العسكري بين بلاده والولايات المتحدة يتوقف على تحسين الحكومة الإريترية لسجلها في مجال حقوق الإنسان. وكانت الحكومة الإريترية قد تعاقدت في أبريل 2002 مع شركة ( Greenbeg Traurig) الأمريكية مقابل 50.000 دولا أمريكي شهريا ولمدة عام لتحسين صورتها في الولايات المتحدة ولإقناع دوائر اتخاذ القرار بتطوير التعاون معها لكن جهود الشركة لم تفلح أمام احتجاجات الصحافة ومنظمات حقوق الإنسان. لقد تأثرت علاقة البلدين سلبا بالانتقادات التي ظلت وزارة الخارجية الأمريكية توجهها لسجل الحكومة الإريترية في مجال حقوق الإنسان أثر اعتقال هذه الحكومة لمجموعة الإصلاحيين في سبتمبر 2001، ولاثنين من الموظفين الإرتريين في السفارة الأمريكية في أسمرا في أكتوبر 2001 اتهمتهما بالتجسس لصالح السفارة الأمريكية ورفضت، رغم المناشدات المتكررة لوزارة الخارجية الأمريكية، إطلاق سراحهما. وبسبب هذا السجل، خصوصا بسبب القيود التي تفرضها الحكومة الإريترية على الحريات الدينية، حذفت الحكومة الأمريكية اسم إريتريا من قائمة الدول المستفيدة من قانون فرص ونمو أفريقيا الذي يعطي الأولوية للمنتجات الزراعية الإفريقية وفرضت في سبتمبر الماضي حظراً على بيع السلاح لإريتريا بعد أن أمهلتها ستة أشهر لرفع القيود عن الحريات الدينية في البلاد، كما منعت شركة تملكها الحكومة الإريترية من ممارسة نشاط تحويل الأموال وصادر مكتب التحقيقات الفيدرالي ما يقارب المليون دولار أمريكي وجدها في خزانة السفارة. وفي ندوة عقدها الحزب الحاكم في إريتريا في مطلع يونيو الماضي عن حقوق الإنسان في إريتريا هاجم قادة الحزب: وزيرة العدل فوزية هاشم ، مدير المخابرات الإريترية الجنرال أبرهة كاسا ويماني قبر مسقل مدير مكتب الرئيس، الولايات المتحدة بسبب انتقاداتها المتكررة لسجل حكومة حزبهم في مجال حقوق الإنسان واتهموها بتوظيف موضوع حقوق الإنسان لتحقيق أجندتها الخاصة وانتقدوا سجلها في مجال حقوق الإنسان خصوصا في العراق. وقد ذهب هؤلاء بعيداً فأعطوا خلافهم مع الولايات المتحدة والدول الغربية طابعا أيدولوجيا يعيد إلى الأذهان مرحلة الخلافات الأيدلوجية التي كانت سائدة في مرحلة الحرب الباردة حيث؛ اعتبروا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومفهوم حقوق الإنسان نفسه يعبر عن الرؤية الغربية للموضوع لا عن رؤية ومصالح الدول الفقيرة. وكرد فعل على العقوبات الأمريكية وما تعتبره انحيازاً أمريكيا لجانب إثيوبيا بدأت إريتريا تتبع سياسات إقليمية مستقلة عن الولايات المتحدة بل ومتصادمة معها أحيانها كما حدث ويحدث في الملف الصومالي. ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده بالاشتراك مع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في نهاية زيارة الأخير لإريتريا في يوليو الماضي، قال أسياس أفورقي أنه لا يوجد إرهابيون في الصومال وأن الشعب الصومالي حر في خياراته في إشارة لدعم حكومته للمحاكم الإسلامية. ويمكن أيضاً فهم رفض إريتريا لأي تدخل دولي في مفاوضات الشرق التي تجري في أسمرا في إطار محاولاتها لإبعاد واشنطن عن الملف ولتأكيد قدرتها على لعب دور إقليمي مستقل عنها وللإعلان عن فض شراكتها الإقليمية معها وهي الشراكة التي تجلت أكثر ما تجلت في الشأن السوداني. وينطوي رفض الحكومة الإريترية إرسال قوات دولية لدارفور والنقد الذي وجهته لاتفاق أبوجا على رسالة للولايات المتحدة فحواها أنها يمكن أن تعيق تنفيذ سياساتها في الإقليم. لكن التعارض الأخطر بين البلدين هو الذي حدث ويحدث في الصومال فبينما دعمت الولايات المتحدة التحالف من أجل استعادة السلام ومكافحة الإرهاب سلحت الحكومة الإريترية المحاكم الإسلامية، كما اتهمتها جهات عدة، صومالية وإثيوبية وأمريكية ودولية. لقد وجهت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون أفريقيا جينداي فريزر أثناء زيارتها للكنغو الديمقراطية في نهاية الشهر الماضي تحذيراً لكل من إثيوبيا وإريتريا بأن لا يتدخلا في الشأن الصومالي. ويوجد في اعتقادنا فرق جوهري بين تدخل أي من الدولتين، فإثيوبيا لها حدود مع الصومال ولها مصالح استراتيجية في هذا البلد كما أن تدخلها يمكن أن يجد تغطية من الحكومة الصومالية المعترف بها من قبل المجتمع الدولي والأهم من كل ذلك إن هذا التدخل يخدم الرؤية الأمريكية المتشككة في نيات المحاكم الصومالية بينما لا يجد التدخل الإريتري التغطية المذكورة وهو يتعارض تماما مع السياسة الأمريكية وأهدافها في الصومال ويمكن أن يضع الحكومة الإريترية في مواجهة مع الولايات المتحدة ليس من الصعب التكهن بنتائجها.

 

نشر في صحيفة (الصحافة) السودانية بتاريخ 8/8/2006

 

مستقبل اتفاق سلام جنوب السودان

لم تمض سوي ساعات قليله، بعد توقيع رئيس جنوب السودان سلفا كير علي اتفاق السلام في جوبا يوم 27 أغسطس الماضي، حتي اتهم زعيم المتمردين رياك مشار قوات الحكومة بخرق وقف إطلاق النار. كان كير قد وقع علي اتفاق السلام بعد أن هدد المجتمع الدولي بفرض عقوبات علي حكومته اذا لم تنضم للاتفاق. لكن كير أثار عند توقيعه علي الاتفاق، بحضور بعض قادة دول المنطقة، العديد من التحفظات علي وثيقه اتفاق السلام وقد جاءت تحفظاته- حسب موقع فورن بولسي- في 12 صفحه وشملت بنوداً كثيرة.
أقرأ نص المقال هنا:
http://www.huffpostarabi.com/yaseen-abdallah/-_1754_b_8212376.html