Sunday, July 17, 2016


شمال يوغندا : خلفية النزاع وفرص نجاع عملية السلام (1-2)
ياسين محمد عبد الله

تجري هذه الأيام في مدينة جوبا مفاوضات بين الحكومة اليوغندية وجيش الرب للمقاومة برعاية حكومة جنوب السودان. نجاح هذه المفاوضات وتوصل الطرفين إلى اتفاق سلام سيؤدي إلى إنهاء واحدة من أكبر المآسي الإنسانية التي لم يولها المجتمع الدولي ما تستحق من اهتمام وسيعد هذا إنجازا كبيراً لحكومة جنوب السودان ليس فقط بسبب ما سيوفره حل هذه المشكلة من أجواء أفضل لانطلاق عملية التنمية في الجنوب بل أيضا لأن هذا الدور سيؤكد للمجتمع الدولي على جدارة هذه الحكومة وتحليها بالمسئولية والشجاعة الكافيين لتدير على نحو خلاق شئون إقليمها. هذه قراءة لخلفية النزاع في شمال يوغندا وفرص عملية السلام التي ترعاها حكومة الجنوب.

خلفية النزاع:

يعاني شمال يوغندا منذ أكثر من عشرين عاما من حرب أهلية خاضتها ضد الحكومة المركزية مجموعات مختلفة من الحركات المتمردة بقي منها الآن فصيل واحد هو جيش الرب للمقاومة. وقد اتخذت الحرب الأهلية من أراضي الأشولي، الذين ينتمون لمجموعة القبائل النيلية ويعيش بعضهم في جنوب السودان ويشكلون أكثر من 4% من سكان يوغندا البالغ عددهم ثمانية وعشرون مليون تقريبا، مسرحا لها.

بدأت معاناة الأشولي من الحرب الأهلية بعد انتصار موسفيني على الجنرال المنتمي إليهم تيتو أوكيلو(1996-1914) الذي كان بدوره قد قاد انقلابا على ملتون أبوتي في التاسع والعشرين من يوليو 1985. فبعد دخول قوات موسفيني إلى كمبالا في الخامس والعشرين من يناير 1986 انسحب مقاتلو أوكيلو شمالا وأسسوا في أغسطس من نفس العام الجيش الشعبي الديمقراطي اليوغندي الذي شن من هناك حربا ضد الحكومة. وارتكب الجيشان الحكومي والمتمرد انتهاكات خطيرة بحق السكان المحليين. انتهت هذه الحرب بموافقة بعض أعضاء الجيش الشعبي الديمقراطي على العفو الذي أصدرته الحكومة في عام 1988 لكن الأشولي خسروا نتيجة للمواجهات التي جرت في مناطقهم، بجانب خسائرهم البشرية، 98% من قطعانهم. وهمشوا منذ ذلك الوقت في الحياة السياسية والاقتصادية اليوغندية.

 وفي عام 1987 تأسس جيش آخر في شمال يوغندا هو قوات الروح المقدسة المتحركة بقيادة الوسيطة الروحية أليس أوما المعروفة بلاكوينا وهي تنتمي أيضا للأشولي. وبجانب سعيها لإسقاط نظام موسفيني، اعتبرت الحركة إن من مهامها تخليص الأشولي من ذنوبهم. وفي أكتوبر 1987 تمكن الجيش الحكومي من هزيمة قوات الحركة مما أدى إلى هروب مؤسستها إلى كينيا حيث لا تزال تعيش هناك. وواصل والد لاكوينا القتال بعد فرارها حتى قبض عليه في 1989.وفي هذا الوقت برز الوسيط الروحي جوزيف كوني كقائد للقوى الرئيسة من الأشولي التي تقاتل ضد الحكومة وهو مولود في مقاطعة قولو في مطلع ستينيات القرن الماضي ويمت بصلة قرابة للاكوينا. وبينما جندت لاكوينا لجيشها من مقاطعة كتقوم جند كوني قواته من مقاطعة قولو التي ينتمي إليها. ومنذ عام 1992 صارت قوات كوني تعرف باسم جيش الرب للمقاومة. ولا يعرف عن أهداف هذا الجيش سوى سعيه لإسقاط حكومة موسفيني وإقامة نظام يطبق الوصايا العشر الواردة في الإنجيل.

في بداية انطلاقة جيش الرب قام الجيش الحكومي بعملية كبرى ضده عرفت باسم (عملية الشمال) تم خلالها تأسيس قوات محلية للدفاع عن النفس زادت من شراسة الحرب ومن معاناة السكان المحليين. وأدى رد الفعل القاسي على العملية من قبل قوات كوني إلى فقدان جيش الرب أغلب الدعم المحلي فتراجعت قدراته خلال عامي 1992 و1993.

تصاعدت عمليات جيش الرب خلال عامي 1994 و1995. وارتكب الجيش، الذي يتكون من الأشولي ويفترض أنه يدافع عنهم، انتهاكات فظيعة ضدهم، بالاستناد إلى شعوذة دينية تخلط بين مفاهيم الدين المسيحي والموروثات القبلية الغيبية.ويعتبر عام 1996 الأكثر عنفا في هذه الحرب وقد سيطر جيش الرب على الريف نتيجة للمعارك التي جرت فيه . بدأ جيش الرب في هذا العام باختطاف الأطفال وصار يجند الذكور منهم ويزوج الإناث من قياداته. وقد قدرت بعض المنظمات الدولية عدد الأطفال المختطفين في الأعوام العشرة الماضية بـ 25000 طفلاً. وقررت الحكومة في أكتوبر من نفس العام نقل سكان إقليمي قولو وبادر إلى قرى محمية لتحرم جيش الرب من فرص الحصول على الغذاء والمجندين من بين هؤلاء السكان. وفي فبراير 1997 كان 80% من سكان مقاطعة قولو يعيشون في هذه القرى.

 وجاء في مذكرة بعث بها إلى الرئيس اليوغندي مجموعة من اليوغنديين وأصدقاء ليوغندا في التاسع من سبتمبر 2003 أن إقليم الأشولي تعرض لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وأن الجيش اليوغندي الحكومي وجيش الرب للمقاومة مسئولان سوية عن الانتهاكات التي ارتكبت في الإقليم وفي مناطق أخرى من البلاد فقد قتلا وعذبا واغتصابا واختطفا وهجرا آلاف المدنيين الأبرياء. وقالت المذكرة إنه منذ 1986 قتل خمسمائة ألف شخص في شمال يوغندا أغلبهم من الأطفال. وانتقدت المذكرة رفض الحكومة اليوغندية تقديم الغذاء للمواطنين الذين هجرتهم بنفسها إلى تلك القرى.

وبينما قامت فكرة ترحيل القرويين على أساس حمايتهم من جيش الرب إلا أن القوات الحكومية تختار دائما وسط هذه القرى كأماكن لتمركزها وتضع المواطنين على الأطراف مستخدمة إياهم دروعا بشرية في مواجهة هجمات جيش الرب. وتُقدر عدد الوفيات في هذه القرى بمعدل الألف في الأسبوع تتسبب فيها بجانب هجمات جيش الرب وردود أفعال الجيش الحكومي، الأمراض مثل الملاريا وسوء التغذية والإيدز والذي استثنت الحكومة فيه الشمال من حملتها الوطنية الناجحة لمحاربته. وقد صرح جان إغيلاند مساعد الأمين العام للشئون الإنسانية في نهاية 2003 لإذاعة البي بي سي بأنه لم يشاهد مكانا في العالم في وضع طوارىء دون أن يجد اهتماما دولي مثل ذلك الموجود في يوغندا.

لقد اعتقد موسفيني دائما أن بإمكانه إنهاء جيش الرب من خلال القتال ومع أنه فشل في كل مرة حاول فيها ذلك، حتى عندما سمحت له الحكومة السودانية بمطاردته داخل الأراضي السودانية، إلا أن ظل حتى مطلع هذا العام مصراً على حسم جيش الرب عسكريا. ويقال أن أسباب فشل الجيش اليوغندي في القضاء على جيش الرب تعود إلى تفشي الفساد بين ضباطه وعدم كفاءة هذا الجيش وافتقاره للمعدات المناسبة. وتعد محاولات الوساطة التي قامت بها الوزيرة اليوغندية السابقة التي تنتمي لقبيلة الأشولي بيتي بقمبي أثناء تقلدها كرسي الوزارة ( 1996-1986) أهم المحاولات التي جرت لحل المشكلة من خلال التفاوض. التقت يقمبي لأول مرة بقائد جيش الرب جوزيف كوني في يونيو 1993 ورتبت لمفاوضات بين الجانبين توقفت في فبراير 1994 بعد أن شارفت على النجاح بسبب إمهال الحكومة جيش الرب سبعة أيام للاستسلام. وقامت مجموعة من كبار السن من الأشولي بمحاولة أخرى للتوسط بين الحكومة وجيش الرب في عام 1996 لكن المحاولة انتهت بمأساة عندما قتل جيش الرب اثنين من الوسطاء. وبذلت جهات أخرى محاولات عديد لإنهاء هذه المأساة لكن كل هذه المحاولات اصطدمت بعدم رغبة موسفيني بالتفاوض مع جيش الرب.

وبعد هجمات سبتمبر 2001 اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية جيش الرب منظمة إرهابية. وكانت في مطلع التسعينات اعتبرت موسفيني أحد قادة أفريقيا الجدد بجانب رؤساء أفارقة آخرين وهو التصنيف الذي لم يعد يستخدم  منذ اندلاع الحرب الإثيوبية الإريترية في عام 1998.

وقام موسفيني في ديسمبر 2003 بتحويل قضية جيش الرب للمحكمة الجنائية الدولية والتقى في يناير 2004 في لندن بالمدعى العام للمحكمة لمناقشة الموضوع. رأت المحكمة أن هناك أسسا موضوعية للبدء في التحقيق حول ممارسة هذا الجيش. وفي يوليو 2005 أصدرت الغرفة الثانية في المحكمة مذكرات توقيف بحق خمسة من قيادات جيش الرب بينهم جوزيف كوني قائد الجيش. أعلنت المحكمة عن المذكرات بتاريخ 13/10/2005 وأشارت في المذكرات إلى إنها تود محاكمة هذه المجموعة للجرائم التي ارتكبتها منذ يوليو 2002 وعددت في كل مذكرة التهم الموجهة ضد الشخص الصادرة بحقه. بلغت التهم الموجهة إلى جوزيف كوني اثنان وثلاثون تهمة بينها تهم تندرج تحت تعريف الجرائم الموجهة ضد الإنسانية مثل القتل والاغتصاب والمعاملة غير الإنسانية وأخرى تندرج تحت تعريف جرائم الحرب مثل الهجوم على المدنيين ومعاملتهم بقسوة والتجنيد القسري للأطفال والاختطاف ووجهت تهم مماثلة لزملائه الآخرين. وتعتبر مذكرات التوقيف بحق قادة جيش الرب أول مذكرات توقيف تصدر عن المحكمة منذ الإعلان عن بدء عملها في يوليو 2002. وقد طلبت المحكمة إلى الجهات المعنية المساعدة في اعتقال مجموعة الخمسة. وفي يناير 2006 قامت قوة تابعة لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكنغو الديمقراطية تتكون من ثمانية جنود غواتماليين بمحاولة في شرق الكنغو لاعتقال أو قتل فنست أوتي نائب قائد جيش الرب وأحد الذين صدرت بحقهم مذكرة توقيف إلا أن جيش الرب تمكن بعد معركة استمرت أربع ساعات من قتل كل أفراد المجموعة. وفي 12/8/2006 تمكن الجيش الحكومي اليوغندي من قتل أحد أفراد المجموعة ليتبقى أربعة منهم. وقد تسبب مقتل هذا القائد في توقف المحادثات الجارية بين جيش الرب والحكومة اليوغندية في مدينة جوبا لمدة ثلاثة أيام لأن فريق جيش الرب المفاوض قال إنه في حال حداد على قائده القتيل.

 

 

 

نشر في صحيفة (الصحافة) السودانية بتاريخ 3/9/2006

 

 

No comments:

Post a Comment